هلال الشيادي: الشعر يخرج قويا وصادقا كلما زاد التحـــــــــدي والمعاناة
لجنة تحكيم واحدة طول فترات المسابقة تصاب بركود وجمود! -
اجرى الحوار: أحمد بن علي الذهلي -
الشاعر هلال بن سيف بن زايد الشيادي أحد الوجوه العمانية التي ثبتت أقدامها في مجال الشعر الإنشادي. بدأ كتابة الشعر وهو في صفوف المدرسة الابتدائية، وكانت عبارة عن محاولات خجولة لا ترقى، وما زال يحتفظ بها حتى الآن، وبما أن الحديث عن الشعر الإنشادي فقد كان يسافر بخياله نحو البعيد منذ البدايات الأولى فهو طامح لأن ينشد له شيء من أشعاره، كلما سمع نشيدا تمنى أن يكون له.
وحول هذه التجربة الشعرية ملحق (روضة الصائم) يسبر أغوار هذه الشخصية العمانية التي اتجهت إلى هذا الفن الأدبي، وهو الشعر، حيث يتحدث هلال الشيادي عن نفسه قائلا: مع موجة البحر تستيقظ كل يوم حروفي وتغرد مع نوارسها، وتستلقي على سطور رماله الذهبية لتشكل قصيدة روحية يومية تشرب من ماء بحر عمان، وهكذا كانت القصة بتأمل في جمال البحر وحسن الصحراء وزهو المزارع الخضراء، ومن هناك كانت انبثاقات القصيدة.
وأضاف قائلا: كنت كلما كتبت قصيدة شعرية ولو كانت ركيكة أنظر إليها على أنها مشروع كتابي جديد وإنجاز شعري دخل في رصيدي وأسعد به، وهكذا حتى بدأت كتاباتي الشعرية تتحسن شيئا فشيئا، وعند دخولي لمعهد العلوم الشرعية بدأت بالتعرف على مشايخ العلم وأساتذة الأدب وعلى رأسهم سماحة الشيخ أحمد الخليلي الذي كان يسألني عن الجديد كلما التقينا، وكان لمدرسي المعهد فضل كبير علي كالشيخ ناصر السابعي والدكتور طالب السعدي والدكتور جمال عبدالعزيز وغيرهم ومن هذه المرحلة بدأت رحلتي مع الإنشاد الديني، حيث تعرفت إلى أكثر منشدي عمان، وكانت أولى البدايات مع المنشد عبدالله بن حمود الراشدي الذي أنشد لي الكثير من القصائد حتى سمينا بالثنائي، وكنت أشارك في احتفالات وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في المناسبات الدينية، وفي تلك الفترة من عام 2001 نزل أول نشيد لي في ألبوم إنشادي، وكان من أداء فرقة الصحوة، ومن هنا بدأت الانطلاقة الإنشادية ولا أنسى أنني بكيت من شدة الفرح فقد تحقق حلمي أخيرا بأن ينشد شعري وينشر في كل مكان، تماما كما كنت أسمع أناشيد غيري.
أكثر من 60 فيديو كليب
ويرى الشاعر هلال الشيادي كغيره من الشعراء ان الإنشاد يحمل رسائل سامية ونبيلة لا تنفك عنه أبدا مهما تطور ومهما أضيف له، فهو يحمل رسالة الأخلاق وتنمية الروح الدينية وتعزيز المحبة بين الناس ويحمل هموم الأمة وتطلعاتها ويتكلم باسم الوطن ويدعو إلى حمايته وبنائه وفدائه.
وعن تجربته في تقديم البرامج الانشادية خلال شهر رمضان المبارك قال: كانت البداية في سنة 2011 حيث أنتجت لي إذاعة سلطنة عمان 20 نشيد مناجاة كانت تبث عبر أثيرها في رمضان وما بعد رمضان، ثم أنتج لي تلفزيون سلطنة عمان أكثر من 60 فيديو كليب من كلماتي في عامي 2012 و2013 وينطلق هلال في تقديم اعماله من خلال ايمانه برسالة الشعر وقوة وقعه على النفوس، ثم تعرفه على آمال وآلام المجتمع، واختياره البحور السهلة والكلمات البسيطة غير المتقعرة، واختيار صور شعرية غير غامضة، وحصوله على حصيلة لغوية ثرية وإلمام بالقواعد اللغوية نحوا وصرفا وبلاغة.
وحول العثرات في الشعر اكد الشيادي بأنها قليلة ما لم تكن العثرات موجودة في داخل الشاعر نفسه، فالشعر يخرج قويا كلما زاد التحدي، وصادقا كلما كانت المعاناة كبيرة، وجميلا كلما ازدادت العقبات، وهكذا لا عثرة للشعر ما لم تكن في داخل الشاعر نفسه عثرات، ولا أنكر أن هناك عثرات خارجية مثل الانشغالات الكثيرة وضيق الوقت، والنقد الهدام.
واضاف: يبقى الإنشاد جميلا برسالته مادام محافظا عليها بين كلمته ونغمته، ولا شك أن كثيرا من المنشدين توجهوا لاستخدام الموسيقى في النشيد وهذا لا يغير في رسالته مادام يهتف باسمها ويحمل أمل الأمة وهمها، وابرز الدوافع التي دعت المنشد إلى تلك التغييرات ولا أقول مفارقات هي مسايرته لمتطلبات العصر واحتياجات الجيل الجديد والحصول على عمل فني راق ومقبول.
وفي سؤال حول كيف استطاع الانشاد الديني او لنقل الشعر المتزن ان يؤثر في المجتمع خاصة مع قلة الامكانيات، وضعف الاقبال عليه في فترة من الفترات، الامر الذي دفع عددا من المنشدين الى ترك هذا المجال بدون عودة اجاب قائلا: المجتمع متدين بطبعه وتوجهه ديني بحت فكان وجود الإنشاد في تلك الفترة الماضية حاجة لامست شغاف الناس، فتأثروا بها وسمعوا لها بإنصات واحترام، وأما عن ترك المنشدين لهذا المجال فمرده شخصي بحت ولم يجدوا أنفسهم في هذا الفن وبحثوا عما يناسب شخصياتهم، مع العلم أن الإنشاد في فترة من الفترات في عمان تعرض لمضايقات ومنع وقرارات تدعو لتوقيفه لكنه استطاع ان يقف على رجليه ويواصل المسير بمنشديه وشعرائه المخلصين.
عدم الاقتناع بفن الانشاد
ويرى الشاعر هلال الشيادي ان الأصوات التي تختفي فجأة، سببها راجع الى عدم تقبل الناس لصوتها أو لأن ظروفه لم تسعفه أو لأن غرضه مادي والمادة لا تكون دائما مع النشيد يعني ما (يوكل عيش) كل مرة، فهو عمل تعبدي تطوعي نبيل، أو لأن المادة لم تكفه لإنتاج عمل إنشادي فعملية التسجيل مكلفة نوعا ما وهذا هو من أكبر الأسباب التي دعت بعض المنشدين لترك النشيد، وهنا أقترح على المبتدئ والراغب في دخول مجال الإنشاد أن يصبر على الحال الواقع وأن يشارك في الفعاليات المجتمعية والدينية وأن يتواصل مع إخوته المنشدين ويستشيرهم وعلى الأقل أن ينشر مقاطع صوتية بصوته عبر وسائل التواصل الاجتماعي المتوفرة لديه.
وعن الاعتذارات المتكررة من بعض الشعراء او المنشدين عن المشاركة في بعض الفعاليات الصغيرة قال: هذه أمور شخصية لا أحب الخوض فيها فهي تخص المنشد نفسه، لكن أرى أن على المنشد أن يكون لسان مجتمعه يلبي دعوتهم كما وجد وقتا لذلك، وعلى الفرق الأهلية المنظمة للفعاليات أن تكرم المنشد المشارك بحافز مالي حتى يستطيع أن يكمل مشواره ويطور من نفسه وأن يحفزه للمشاركات القادمة.
وجهة نظر الشاعر هلال تؤكد انه ليس بالضرورة ان يكون العائد المادي والشهرة سببا مقنعا في تغيير بعض الشباب لرسالتهم ومبادئهم في مجال الانشاد الديني مضيفا ان بعضهم قد لا يكون مقتنعا بفن الإنشاد ويذهب إلى فن آخر يجد نفسه بذلك، لكن هناك فئة بالفعل تسعى للشهرة بسرعة وطريق الإنشاد ربما يكون بطيئا بالنسبة له.
تعزيز الجانب الروحي
ثم توجه اليه بسؤال مفاده: هل ترى ان هناك نوعا من القصور في الفهم لدى بعض شرائح المجتمع العماني،وبعض مؤسسات المجتمع المدني حول اهمية البرامج التي تهتم بالمواهب ومن ضمنها الفصاحة فأجاب قائلا: هذا موضوع مهم ؛ نعم هناك قصور مجتمعي يتمثل في عدم تفهم المجتمع لأهمية الفصاحة لدى الأبناء وأهميته للتعبير عن كل شيء وقصور مؤسسي يتمثل في عدم تبني مسابقات خاصة بالفصاحة واللغة العربية أو عقد دورات وبرامج تثقيفية في هذا الجانب.
• عدت بالشاعر هلال الشيادي الى الوراء قليلا لأستذكر معه أهم الأعمال التي قدمها منذ بداياته وحتى الآن فعلق قائلا: قدمت نشيد عمان المجيدة التي يعتبر أكبر فيديو كليب في عمان من حيث التكلفة، وقد انشده خمسة منشدين من فرقة واعتصموا، وكذلك الستون فيديو كليب التي أنتجها تلفزيون سلطنة عمان من كلماتي، وإنشاد بعض منشدي الخليج لكلماتي كالمنشد الإماراتي أسامة الصافي والمنشد السعودي أبوعبدالملك والمنشد البحريني سلمان العلي والمنشد الكويتي المرحوم مشاري العرادة.
ثم اردفته بسؤال آخر: هناك اعتقاد لدى بعض افراد المجتمع بأن تطور الشعر الديني ساهم في الخلط ما بينه وبين الغناء خاصة بعد إدراج الموسيقى في العديد من الأناشيد والمؤثرات الصوتية بشكل لافت. كيف تردون على ذلك فأجاب قائلا: هذا تطور لا بأس به، إذا لم يكن هناك غلبة في الموسيقى على الكلمات.
إنشاد مليء بالأخطاء النحوية
• قدمت مجموعة من الاشعار منها للوطن وللعروبة ماذا تقول عن ذلك استعاد الشاعر هلال الشيادي خيوط حديثه قائلا: نعم، هذا من ضمن واجب الرسالة الملقاة على عاتقي وعلي أن أؤديها بكل أمانة وإخلاص قدر المستطاع.
وعن موضوع آخر يتعلق بالفضائيات قال: القنوات التي تبث من دول إسلامية ينبغي أن تكون إسلامية، ولست مقتنعا بوجود التفريق بأن هذه قناة إسلامية وهذه لا، وعلى كلٍ من الجميل أن تعتني قناة ما بنشر الأناشيد على مدار الساعة وأن تقدم كل البرامج التي تعين المنشدين على تطوير مواهبهم.
• انتقلت في حواري مع الشاعر هلال الى سؤال جوهري يقول: هل يتحمل كتاب الشعر جزءا من قلة المنتج في مجال الانشاد الديني ام ان هناك وفرة من الشعر واللوم يلقى على بعض المنشدين وعزوفهم عن التنويع في الاعمال التي يقدمونها بادرني بالاجابة قائلا: الشعر موجود قديما وحديثا، يحتاج فقط من المنشد أن يبحث عن الكلمات في الدواوين أو التواصل مع الشعراء، والكثير من الشعراء يرحبون بإنشاد كلماتهم، وأنا ألوم بعض المنشدين الذين ينشدون بعض القصائد بدون الرجوع إلى قائلها والنتيجة إنشاد مليء بالأخطاء النحوية وتغيير في المعنى الذي أراده الشاعر، أما عن قلة المنتج الإنشادي فله أسباب فنية وتسجيلية منه قلة عدد الملحنين وارتفاع كلفة التسجيل وعدم وجود مؤسسة تتبنى الأعمال الإنشادية.
اعادة مهرجان الانشاد العماني
• في الآونة الأخيرة كثرت برامج المسابقات للانشاد الديني، وترصد جوائز قيمة للفائزين،من وجهة نظركم ما الجوانب الايجابية التي تقدمها والمقترحات لتطويرها؟
-هذا السؤال مهم جدا؛ المسابقات الإنشادية -والحمد لله -على كثرتها فهناك مسابقة الأندية للإنشاد التي تقيمها وزارة الشؤون الرياضية والتي تدخل عامها الثامن والحمد لله أنا معهم في تنظيمها منذ انطلاقها حتى الآن وهناك مسابقة الطائر المحكي التي تقيمها وزارة الأوقاف والشؤون الرياضية ومسابقة نجم الإنشاد التي تقدمها إذاعة سلطنة عمان ومسابقات عدة في الجامعات والكليات والمدارس هذا من غير المهرجان الحكومية والأهلية كل هذه المسابقات أخرجت لنا جيلا إنشاديا رائعا ومنشدين استطاعوا أن يبرزوا بقوة في المسابقات الدولية
واضاف: من هنا أطالب وزارة التراث والثقافة بإعادة مهرجان الإنشاد العماني الذي جاء بأوامر سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله- وأقره مجلس الوزراء، وأقترح أن تتعدد لجان التحكيم واللجنة المنظمة للمسابقات فمكوث لجنة تحكيم واحدة طول عمر المسابقة يصيبها بركود وجمود.
كل منشد له سمة مميزة
• ومن وجهة نظرك: ما هي المنطلقات التي يركز عليها الشعراء او الملحنون في تقديمهم للاعمال التي تخص الانشاد الديني ؟
بالنسبة للشعراء عليهم ان ينتقوا الكلمات السهلة والبحور المريحة الوزن، وعدم الإغراق في الغموض والخيال، وأما الملحنون فعليهم أن يراعوا شكل النشيد المعتاد البعيد عن اللحن الطربي والسريع جدا وان يقدم لحنا يناسب مع الكلمات وموضوعها، وأن يقدم لحنا يوئم طبقة المنشد الذي سينشد القصيدة.
• هل كل صوت انشادي له سمه تميزه عن غيره ام انهم ينطلقون من قالب واحد ويستطيعون تأدية كل ما يقدم اليهم ؟
لا، كل منشد له سمة مميزة له عن غيره، وإن يكن كذلك فعليه أن يصنع له سمة مميزة حتى يكون له طابعه الخاص وأثره المعروف في النشيد، وأما أن عن استطاعة المنشد أن يؤدي كل ما يقدم له فهذا من براعته وقوة أدائه ومهارته.
الايمان برسالته الايجابية
• وسط الكثير من الفعاليات والمناشط،هل يمكننا ان نقول بأن الانشاد الديني حقق جميع اهدافه التي يسعى اليها،اما ان الطريق طويل لبلوغ المدى ؟
-جميع الأهداف لا، لكنه قطع شوطا كبيرا في مسيرته الطيبة في هذا البلد العزيز، والطريق طويل وعليه أن يكون طويلا لأن رسالة النشيد هي لكل زمن وكل جيل.
واضاف: طموح الشاعر لا حدود له مداه غير محدود فهو نبض في قلب الحياة والحياة نبضه الذي يعيش به.
• ما اوجه الدعم التي تراها مناسبة حتى يستطيع الشعر بشكله الايجابي من النهوض والانطلاقة بشكل افضل ؟
-أولا: على الشاعر نفسه أن يؤمن برسالته الإيجابية في الحياة، ثانيا على المجتمع أن يعي أهمية الشاعر وقوة وجوده في المجتمع وبهذا يكون الشعر بخير وينطلق بكل ثقة.
• في الأخير، ما النصحية التي تتوجه بها الى كل من يمتلك الامكانيات التي تؤهله ليكون منشدا او شاعرا فصيحا في المستقبل؟
- على المنشد ألا يستقل من موهبته وأن يحاول قدر المستطاع إظهارها وعليه أن يتعرف على المنشدين الواصلين. والشاعر عليه أن يؤمن بموهبته وأن يرى كل قصيدة يكتبها إنجازا جديدا ومشروعا ناجحا مهما كان مستوى العمل الشعري الذي قدمه، وعلى ألا يلتفت إلى المحبطين الذين حوله مادام يرى نفسه شاعرا.
